وإن كفاءة أي أسلوب إنما تظهر من خلال (الخطة) الجيدة, وإن كفاءة الخطة تعود إلى مدى اتساق (الرؤية الشاملة) للإصلاح . والرؤية هي الوعي الجيد بمتطلبات الحاضر والمستقبل, والوعي بالإمكانات المتاحة, والعقبات المتوقعة.
إن علينا أن نكون على وعي بأن كل الآراء والمقترحات والتوصيات والخبرات الجزئية – لا يمكنها أن تُوجِدَ بنفسها الشروط الموضوعية والمناخات الملائمة لعملها, وتحقيق ذاتها, وإنما الذي يوجدها هو الرؤية الإصلاحية الشاملة, والمحكات النهائية التي يحددها الإصلاحيون في كل المسائل الكبرى موضع الجدل والحوار .
ومن هذا المنطلق يجب النظر إلى ما سنذكره من أساليب ووسائل للرقي بحياتنا الاجتماعية. وسوف نوجز ما نراه من ذلك في النقاط التالية :
1- مسح القيادات المحلية لمشكلات مجتمعهم, واكتشاف معوقات التنمية :
من الواضح أن الناس يحبون التعرف على مشكلاتهم بأنفسهم, ويُظهرون نوعاً من الشك أو اللامبالاة حين يعرفهم بها باحثون أو ناقدون آخرون, ومن ثم من الأصلح أن يقوم المختصون والوجهاء في كل منطقة بدراسات مسحية استقصائية للمشكلات الاجتماعية السائدة في منطقتهم.
ضرورة مثل هذه الدراسات, تنبع من اعتبارات عديدة, منها:
- أن لكل منطقة مشكلاتها الخاصة التي يعدها الناس أكثر إلحاحاً , أو ذات أهمية خاصة, فعلى حين تعاني منطقة من نقص المياه, تعاني منطقة أخرى من نقص المدارس أو المساجد, أو ضعف الالتزام, أو انتشار التدخين ... ومن طبيعة المشكلات أنها تفرز ثقافة خاصة بها, تكشف عن جذورها وبعض إمكانات حلها, والذين يعرفون ذلك أكثر من غيرهم هم أبناء المنطقة المحليون .
- ومنها زيادة وعي الناس بالمشكلات التي يعانون منها والحيلولة دون تكيفهم معها بصورة سلبية, وذلك من خلال النقد, وعرض النماذج والمقارنة .
- ومنها التخفيف من حدة مقاومة التغيير لدى السكان المحليين, والمعروف أن المناطق الأكثر تخلفاً تكون في العادة أكثر إصراراً على بقاء كل شيء على ما هو عليه, وأكثر نفوراً من الجديد, ولا سيما إذا فرض عليهم فرضاً .
وكثيراً ما يعتاد الناس على واقع خطأ, ويجدون له المبررات ويسعون لاستمراره .
2- تغيير نظرة الناس للعمل اليدوي والخدمة الذاتية :
إن العربي في الجاهلية كان يبطن نوعاً من العداء للصنائع, ولكل الأعمال الخدمية التي يباشرها المرء بنفسه. وقد حاول النبي محمد صلى الله عليه وسلم اقتلاع هذه العادة السيئة من المجتمع الإسلامي, من خلال وسائل عديدة, منها:
سلوكه الشخصي, فقد سئلت السيدة عائشة – رضي الله عنها – عن أحواله في بيته, فقالت : ( كان في مهنة أهله – خدمتهم – وكان يخيط ثوبه, ويخصف نعله, ويرقع دلوه, ويحلب شاته, ويخدم نفسه ). (( فتح الباري: 10/461 ).
وقد أثمر ذلك عند كبار الصحابة المتأثرين بالهدي النبوي, فهذا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يشاهده الناس, يقوم بمداواة إبل الصدقة بنفسه بالقطران – وهو خليفة – لكن ذلك لم يصبح ظاهرة عامة, فما لبث احتقار المهن أن عاد إلى المجتمع العربي عند انخفاض الوتيرة الإيمانية لدى الأجيال اللاحقة, ولعل هذا من أسباب تخلف جميع الدول العربية في المجال الصناعي على نحو خاص !.
إن كثيراً من طلب العلم والدراسة في الجامعات لا يقصد منه في كثير من بلاد المسلمين سوى نيل بعض الوجاهة والهروب من الأعمال المهنية !
وقد تساءل أحد المفكرين قائلاً: لماذا نجد رئيس جامعة في أمريكا – مثلاً – يقوم بإصلاح سيارته في ورشته ودهان سور منزله وتنسيق حديقته, بينما يأنف أصغر موظف في مجتمع العرب من القيام بأبسط الأعمال اليدوية ؟
ثم قال: سؤال ساذج, لأن الإجابة عليه تكمن في الفروق والفجوات الحضارية بين المجتمع الأمريكي والمجتمع العربي !
إن برامج التنمية الاجتماعية يجب أن تشتمل على تعليم أولاد المدارس تنظيف مدارسهم وفصولهم, ودهن الأرصفة, وغرس الأشجار ... ويجب أن تنشأ مراكز لتعليم الناس – مهما كان تخصص الواحد منهم – حرفة صغيرة, كصيانة الأجهزة الكهربائية في المنزل, أو زراعة حديقة المنزل, وما شابه ذلك. وعلينا أن نتخلص من مظاهر (الرقي الشكلي) الذي لا يُخفي وراءه إلا شخصية هزيلة عاطلة عن أي منفعة !.
3- الاتجاه نحو (اللامركزية) :
النظام الإداري هو الفضاء الذي تتنفس فيه النظم التربوية والاقتصادية والاجتماعية, وقد دلت تجارب عديدة أن تفويض القضايا التنموية للولايات والمناطق أنسب من جعلها تابعة لإدارة مركزية بعيدة عن ساحة التنفيذ, لما يحدث ذلك من المنافسة الطيبة بين المراكز, ولما في ذلك من إحساس أهل كل ولاية بأن جهودهم تصبُّ في ولايتهم, حيث يلمسون التقدم الناتج عن اجتهادهم وبذلهم. ولو أننا نظرنا إلى نظم الحكم الإسلامية عبر التاريخ لوجدنا أنها تميل إلى انتهاج هذا الأسلوب.
إن عملية إدارة التنمية تكون مع النظام (اللامركزي) أكثر سلاسة, كما أن إمكانات المراقبة والمحاسبة والمناقشة تكون أفضل .
ويضاف إلى ذلك إتاحة الفرصة لأهل كل منطقة أن ينموا منطقتهم وفق الخصائص والتقاليد التراثية والرمزية الموجودة فيها . ويمكن إقامة بعض الأطر التي تذكي روح التنافس في الخير والبناء والعطاء بين مناطق الدولة الواحدة, مثل المعارض والمؤتمرات والندوات, وما شاكل ذلك .
4- توفير مؤسسات وهيئات محلية لتنمية الحياة الاجتماعية :
هذه قضية على درجة عالية من الأهمية, إذ إن الراغبين في الخدمة العامة كثر, ولكن مشكلتهم تتمثل دائماً في فقد الإطار الذي يعلمهم الطريقة المثلى لاستخدام طاقاتهم وأوقاتهم, وينظم لهم مجال الخدمة التطوعية, ويساندهم في أدائها. ولست مبالغاً إذا قلت: إن غنى المجتمع بالجمعيات والروابط والمؤسسات الوسطية والأندية والجماعات التي تخدم جوانب الحياة المختلفة – هو أهم مؤشر على تقدمه, كما أن الفقر الاجتماعي الحقيقي يتجلى في تضاؤل مثل هذه الأطر. وإنني أعتقد أن كل جانب من حياتنا يحتاج إلى متطوعين من الشباب والشيوخ والنساء, فذلك هو التعبير الصحيح عن وحدة المجتمع وكون أبنائه بمنزلة الجسد الواحد .
على سبيل المثال يندب مجموعة من الناس أنفسهم ضمن جمعية أو رابطة أو مؤسسة للاهتمام بحماية البيئة من التلوث, ومجموعة أخرى لمحاربة الغلاء, وثالثة تهتم بإشاعة القراءة واقتناء الكتاب, ورابعة تُعنى ببناء المساجد, وخامسة لتأمين نفقات التعليم لأبناء الفقراء, أو تعليمهم حرفة, وسادسة للمحافظة على المرافق العامة ...
إن مثل هذا الشمول في اكتناف الأعمال الخدمية التطوعية كافٍ لتشغيل كل الطاقات المتوفرة, وكاف لتحويل, مجتمعاتنا إلى مجتمعات حية متعاونة متراحمة نظيفة...
ولا شك أن في كل بلد إسلامي أنواعاً من هذه الأطر, لكن المطلوب أكثر من ذلك بكثير, كما أن الريف شبه محروم منها . إن مما يساعد على تعميم هذه الأنشطة أن ينشأ في كل ولاية أو محافظة هيئة عليا شعبية, تهتم بإنشاء الخدمات الطوعية, وتنشيطها وتوجيهها .
5- إشاعة روح التعاون الشعبي :
ورثت المجتمعات الإسلامية عادات جميلة في التعاون, ولا سيما في الريف, حيث كان من المتعارف عليه أن يدعو الرجل جيرانه, وأهل حيه أو بعضاً من قرابته إلى مساعدته في أعمال زراعة أو حصاد, أو تشييد منزل, أو شق ترعة, ويقوم هو بتقديم وجبة خفيفة لهم, ويكون هو مستعداً لتقديم مثل تلك المعاونة عند الحاجة .
من المؤسف أن مثل هذه التقاليد الحميدة, قد أخذت تتلاشى بفعل التأثر بالحياة الغربية, القائمة على الاستقلالية المبالغ فيها, وبسبب هيمنة أسلوب العيش في المدن الكبرى على الحياة الاجتماعية عامة !.
بالإمكان استعادة كل ذلك, وإضافة أشكال تعاونية أخوية جديدة, تتناسب مع الحياة الجديدة, مثل اشتراك مجموعة من الزملاء أو الأقرباء أو الأصدقاء بجزء من الدخل في صندوق التوفير من أجل مساعدة أعضاء الصندوق في بناء مسكن, أو القيام برحلة إلى الحج, أو إقامة مشروع تجاري, أو افتتاح ورشة ... وسيكون في ذلك إغناء لقسم كبير من الناس عن الاقتراض من البنوك الربوية .
ويمكن لجماعة المسجد في كل حي أن يكون لها دور بارز في تنظيم هذه الأعمال الخيرة وهكذا حيث توجد مصالح يمكن للتعاون الشعبي أن ينشط, وعلينا أن نبحث عن تلك المصالح, ونحاول تحقيقها بكل أسلوب ممكن.
6- إحياء (الوقف) الإسلامي وتطوير وظائفه :
ما عُرفت أمة بالعناية بتأمين موارد ثابتة للإنفاق في وجوه الخير كما عُرفت هذه الأمة, وقد تأنقت في ذلك, فجعلته أشكالاً وألواناً, لنفع الذراري والفقراء والمنقطعين من أبناء السبيل, وطلاب العلم, والمرضى والمرابطين في سبيل الله, حتى البهائم نالها من ذلك نصيب.
شاعت ظاهرة الوقف بين الصحابة – رضي الله عنهم – في زمان النبي صلى الله عليه وسلم, حتى قال جابر: ( ما بقي أحد من أصحاب رسول الله, له مقدرة إلا وقف ). وقد كان الإمام النووي لا يأكل من فاكهة الشام وخضارها, لأنه يرى أن أكثر أراضي الشام كان في الأصل وقفاً, ثم استولى عليه الناس !.
وقد كان ذلك كله استجابة لحض النبي صلى الله عليه وسلم على الوقف ولما ذكره من الثواب العظيم لهذا النوع من أعمال البر. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً, فإن شِبَعَه وروثه وبوله في ميزان حسناته ).
لقد سدَّت الأوقاف من الثغرات والخلال, ودفعت بالمستوى الحضاري للأمة أشواطاً بعيدة, هي أكبر مما نظن, وكان لذلك أطيب الأثر في التضامن والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد.
وقد تراجعت هذه الظاهرة المباركة تراجعاً مريعاً في عالمنا الإسلامي, ولا تكاد تُلمس بشكل واضح إلا في بناء المساجد وفرشها!.
ولهذا التراجع أسبابه الجوهرية, وربما كان أبرزها (السلبية) التي صبغت الموقف العام لمسلم اليوم, بالإضافة إلى عدم وجود ضمانات كافية لاستمرار الوقف, واستخدام ريعه في عين ما حدده الواقف من جوه الخير.
إن كثيراً من أعمال الخير لا يستمر في زماننا هذا, ولا يمكن توسيعه, بسبب عدم وجود روافد ثابتة, كما أن كثيراً من الناس يملك فوائض مالية, تُصرف في غير وجهها, ولذا فإن هناك ضرورة حيوية لبعث الاهتمام بهذه المسألة, وجعلها في مقدمة ما يجب إصلاحه وإحياؤه في المجتمعات الإسلامية.
وفي تصوري أنه يجب القيام بأمور عديدة في سبيل ذلك, منها:
أ- التركيز على أهمية الوقف وضرورة مشاركة كل مسلم فيه وإشاعة ذلك في جميع الوسائل التثقيفية, كالمناهج المدرسية, وخطب الجمعة, والدروس المسجدية, وسائر الوسائل الإعلامية..
ب- إيجاد أطر عملية كثيرة لاستيعاب ذلك, حتى يجد الراغب في وقف شيء المجال الذي يرغب فيه, والجهة التي تقوم بتحقيق تلك الرغبة, وجعلها شيئاً واقعاً ملموساً. وفي طول العالم الإسلامي وعرضه لجان لبناء المساجد, ونحن بحاجة إلى لجان كثيرة, على نمطها لتشجيع ألوان جديدة من الوقف, والقيام على رعايتها.
ج- يجب أن تساهم الحكومات في ذلك بخصم الضرائب عما ينفقه المسلم على الوقف – إن كان هناك ضرائب – وتشجيع كبار الواقفين بإطلاق أسمائهم على المدارس والشوراع والأحياء والمنتديات ...
د- وضع ميثاق شرف إسلامي على أعلى المستويات, يتضمن المحافظة على الأوقاف وضرورة تنفيذ شروط الواقفين - ما دامت راشدة ومشروعة – وتشكيل مكاتب ولجان مختلفة من جهات حكومية وشعبية للإشراف على مراعاتها, ولحماية الأوقاف من العدوان عليها, واستخدامها في غير وضعيتها الأصلية.
هـ - إيجاد برامج متنوعة طويلة الأمد, يساهم من خلالها المسلمون في إعادة ظاهرة الوقف الإسلامي, وتعميمها, كأن يشترك الفرد بمبلغ رمزي شهرياً, على أمل أن يكون لديه قبل وفاته مبلغ يبني له به مسجداً أو مدرسة, أو تنشأ له مكتبة, أو ورشة لتدريب الشباب على حرفة أو ...
إنني أعتقد أن بإمكان المسلمين أن يجعلوا ظاهرة (الوقف) الظاهرة الأكثر إشراقاً في حياتهم, والأكثر دفئاً ونفعاً وإشاعة للخير, والأكثر دلالة على الارتقاء الحضاري, لو توفر لديهم ما يكفي من العزيمة والوعي ! .