أمة شمرت عن ساعد الجد والعمل, ورسمت لنفسها هدفاً سامياً, واجتهدت في بلوغ مرامها, فهي جديرة في أن تصل إلى ما تصبو إليه وتأمله, وأن يكتب لها عنوان حضارة لا تبيد بل تنمو وتزيد , وبعملها تحقق ما تبغي وتريد .
قال تعالى: (( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها )).
الإنسان محور المخلوقات على الأرض, جعل الله له سيادة وسخر له الأرض وما يخرج منها وما يجري عليها, وسخر له الشمس والقمر والنجوم والهواء, ومقابل ذلك كلفه إعمار هذه الأرض الأم الحنون, ورسم له منهجاً يسلكه, وجعل عمدته العمل ففيه يحقق عزته وكرامته, وبه يسمو ويرتقي ويبني حضارة بها يسوس ويسود, وأيما أمة تخلت عن العمل فحريّ بها أن تخنع للغير وتصبح عالة على فتات الغير, تتنحى عنها الكرامة وتجانبها الريادة والزعامة حتى تفيء إلى قوله تعالى: (( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله )).
الطاقات التي منحها الله لهذا الإنسان رأس مالٍ عظيم طلب الله استثماره, وربط السعادة بوجوده ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ), هذا قانون إلهي لكل بني البشر لا تتخلف نتائجه ( ولا تجد لسنتنا تحويلاً ) .
وقال تعالى: (( ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون )) .
لقد نهضت جميع الشرائع بالناس, وحثتهم على السعي والعمل, فلم ترض أن تكون حليفاً لمن رضخ واستكان للخمول, وأوقفت مساعدة من تثاقل إلى الأرض وعطل قوى التنمية ليكون عبئاً على الناس , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي )). وجعل مكانة المرء في الآخرة رهناً بعمل الدنيا (( كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس )).
عن يحيى بن سعيد قال: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقية فاقتضيتها, وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيراً ولم نجد من يأخذها, فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس فاشتريت بها رقاباً فأعتقتهم .
أي أمة استطاعت أن تصل بمجتمعها لسد حاجة الفقر فضلاً عن المجاعات ومخاوف سوء التغذية الذي تنعقد له المؤتمرات, وتنفق عليها الأموال, وترصد في حقول التجارب والمخابر لمعالجة هذا الداء العضال, ولو أراد القائمون على اقتصاد العالم اليوم معتمدين على الإحصائيات المخيفة والتي تلقي الذعر والرعب في أفئدة الناس أن تحقق خير الإنسانية وسعادتها لسلكت منهج الله في أرضه لاستئصال ورم الفقر, وأغدقت على الأطفال الذين يموتون جوعاً و ينذرون من وراءهم .
إنه الصراط المستقيم للنهوض بالإنسانية إلى بحبوحة السعة والرفاهية , عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (( قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله, قلت: أي الرقاب أفضل ؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً, قلت: فإن لم أفعل قال تعين صانعاً أو تصنع لأخرق .. )).
((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة , فإن التسطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل)).